محمد بن علي الشوكاني
5746
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
وعلى الدين والدنيا [ 6 أ ] . ولا فرق بين بعث مثله ليحكم بجهله ، وبين بعث رجل من أهل الطاغوت العارفين بالمسالك الطاغوتية كابن فرج ، وفصيله ، والغزي ، ونحوهم من حكام الطاغوت ، بل بعث هذا القاضي أعظم عند الله ذنبا ، وأشد معصية ، لأنه لما كان في الصورة قاضيا من قضاة الشرع الشريف ، وحاكما من حكامه مولى ممن إليه الولاية العامة ، كان في ذلك تغرير على الناس ، ومخادعة لهم ، فانجذبوا إليه ليحكم بينهم بشرع الله ، فحكم بالطاغوت ، فقبلوه بناء منهم على أنه حكم الشرع ، بخلاف بعث حاكم من حكام الطاغوت ، فإنه وإن كان من المعصية والجراءة على الله بالمكان الذي لا يخفى ، ولكنه لا تغرير في بعثة على العباد ، ولا مخادعة ، فربما يجتنبه من يجتنبه إن لم يجتنبوه جميعا ، وينفروا عنه ويأبوا منه ، وكفى بهذا موعظة وعبرة يقشعر لها جلد من كان في قلبه مثقال خردلة من إيمان ، وترتجف منه قلوب قوم يعقلون : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } ( 1 ) . هذا حال هذا القاضي الذي هو من قضاة النار ( 2 ) ومن عصاة الملك الجبار [ 6 ب ] فيما يتولاه من الخصومات . وما سائر ما هو موكول إلى قضاة الشرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والأخذ على يد الظالم ، وإرشاد الضال ، وتعليم الجاهل ، والدفع عن الرعية من ظلم من
--> ( 1 ) [ الذاريات : 55 ] ( 2 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه أبو داود رقم ( 3573 ) والترمذي رقم ( 1322 ) وابن ماجة رقم ( 2315 ) والحاكم ( 4 / 90 ) . عن ابن بريدة ، عن أبيه عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : " القضاة ثلاثة واحد في الجنة ، واثنان في النار فأما الذي في الجنة ، فرجل عرف الحق فقضي به ، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار ، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار " . وهو حديث صحيح .